عبد الملك الجويني
355
نهاية المطلب في دراية المذهب
ولو جنى الجاني على الأنف ، فاستحشف ، وسقط حسُّه ، ففيه الخلاف الذي ذكرناه في استحشاف الأذن ؛ فإن هذا العضو مستحشفاً وحساساً على حدٍّ قريب في المنفعة . 10608 - ثم الشمُّ لطيفة مضمونة بالدية الكاملة [ كالسمع ] ( 1 ) والبصر . وفي بعض الطرق وجهٌ غريب أن الشم لا يضمن بالدية الكاملة ، وعلى [ مزيله ] ( 2 ) الحكومة . وهذا القائل يزعم أن الانتفاع بالشم من استنشاق الدماغ [ للطيب ، والتأذي ] ( 3 ) بالإنتان أكثرُ من التلذذ بالروائح الطيبة ( 4 ) ، وهذا خيال لا أصل له ، وهو أحد الحواس فلا وجه إلا القطع بمقابلته بالدية الكاملة ، وهذا الوجه حكاه صاحب التقريب وغيره من الأئمة . وفي أنف الأخشم ( 5 ) ما في أنف صاحب الشم ، كما ذكرناه في أذن الأصم والسميع . وإذا ادعى المجني عليه زوالَ الشم ، امتُحن بأن يتغفل ونُدني - في غفلاته - من أنفه رائحةً ذكية طيبة أو منتنة ، والغالب أنه يتأثر بها انبساطاً واستبشاراً ] ( 6 ) أو [ انزواءً ] ( 7 ) وانقباضاً ، ثم نبني على ذلك ما قدمناه من خلافه مع الامتحان . وإذا ادّعى نقصاناً في الشم ، فليس معنا فيه معتبر - كما تقدم في السمع والبصر - فلا حاجة إلا الرجوع إلى المجني عليه ، فنقول له : أنت أعرف بمقدار الخلل ، فاذكره واحلف ، يَغْرَم لك الجاني ، وإن لم يذكر لنا مقداراً ، وهو المدعي ، وهو كمن يرى
--> ( 1 ) في الأصل : " بالسمع " . ( 2 ) في الأصل : " تنزيله " . ( 3 ) في الأصل : " الطيبة ولا يتأذى " والتصويب من كلام الغزالي في البسيط . ( 4 ) عبر عن هذا الغزالي في البسيط بألفاظ الإمام تقريباً ، فقال : " وفي بعض الطرق وجه غريب أنه لا يضمن بكمال الدية ، فإن التضرر به لكثرة الإنتان أكبر من التلذذ مع قلة الطيب ، وهذا هوس " ا . ه ( السابق ورقة 61 يمين ) . ( 5 ) المراد بالأخشم هنا من فقد حاسة الشم . ( المصباح ) . ( 6 ) في الأصل : " واستيثاراً " . ( 7 ) غير مقروءة في الأصل . والمثبت من عبارة الغزالي في البسيط .